برجاء تسجيل الإعجاب بالصفحة لتصلك كتاباتي على فيسبوك

المتابعون للمدونة

الثلاثاء، 1 نوفمبر 2016

تسلم الأوانس



تسلم الأوانس 



ذهبت إلى بنك مصر فرع دمياط اليوم لصرف حوالة قيمتها 65 دولارا، أرسلها صديق سعودي يريد شراء بعض كتبي، وقد حولها على بنك مصر لعدم توفر مصرف يتعامل مع خدمة ويسترن يونيون بالقرب منه.

وجدت زحاما كبيرا داخل البنك، وزحاما آخر أمام موظفة الاستقبال التي تعطي لكل عميل رقما، وإن كان يريد صرف حوالة تتأكد على حاسوبها من وصول الحوالة، وتسجل رقمها على صورة بطاقته.

طبعا أول شيء أكدته لنا أن الدولار لم يصل بعد، وأنها ستتأكد من رقم الحوالة فقط، ومن شاء أن ينتظر سيادة الباشا الدولار فلينتظر.

ماشي.. سأتأكد من وصول الحوالة ثم أذهب لأرسل الطرد، ثم آتي لأسلم على الباشا الدولار.

انتظرت نصف ساعة، لتفاجئني الموظفة أن حوالتي لم تصل بعد.. وهو لعمري شيء عُجاب، فهذه التحويلات الكترونية، تصل بمجرد إدخالها وضغط الزر!.. لكنها أوضحت لي أن التحويل يصل إلى الفرع الرئيسي في القاهرة، وهو الذي يرسل بيانات الحوالات بعد هذا للفروع، وأن هذا قد يحدث في العاشرة والنصف أو الحادية عشرة والنصف!.. الحمد لله، ما زلنا نحتفظ باللمسة المصرية الروتينية الخاصة حتى في عصر ثورة الاتصالات والمعلومات.. لازم نحط التاتش بتاعنا يا جماعة.. هذه أول نصف ساعة ضائعة بلا جدوى!

أرسلت الطرد وعدت في الثانية عشرة ظهرا، لأقف في نفس الطابور وأضيع نصف ساعة أخرى.. الحمد لله، وصل التحويل أخيرا، والسيد دولار كان أيضا قد وصل.. لا ريب أني محظوظ جدا هذا اليوم، فأمي حفظها الله قد دعت لي قبل خروجي.

انتهيت من الطابور الأصغر وانتقلت إلى الطابور الأكبر بين المنتظرين لدورهم.. رقمي ٣١٢ والشبابيك الستة المخصصة لهذا النوع من الخدمات تتعامل مع أرقام أكبرها كان ٢٣٧.. يا صلاة النبي.. أمامي 75 عميلا فقط إلى أن يحين دوري.. هل يمكن أن ينتظرني السيد دولار كل هذا الوقت؟

وقع بصري وأنا جالس على لوحة علقوها على الجدار، لمركب يغادر شاطئ بحيرة.. لا أدري لماذا شعرت أنهم يرسلون لنا رسالة ما.. "المركب اللي تودي" مثلا!!

مضت نصف ساعة ثالثة بلا جدوى، ولكني لاحظت أن الأرقام بدأت تتسارع على الشبابيك، وهذا مؤشر مخيف على أن السيد دولار قد تركنا ورحل بمنتهى الخسة والنذالة!.. أصوات العملاء المحبطة والغاضبة التي بدأت تتعالى على الشبابيك أكدت لي ظنوني، فقررت أن أستقصي الأمر.

نعم، لقد رحل السيد مئة دولار بلا رجعة، ولم يبق إلا صبيانه من فئة العشرات والآحاد.. صحت في فرحة:
-      هيييه.. أنا لا أريد أكثر من 65 دولارا.

نظرت موظفة إلى زميلتها وابتسمت بارتباك وقالت مرغمة:
-      يمكنك أن تأخذها من شباك رقم 1.

ذهبت إليه على الفور متجاوزا أكثر من 30 منتظرا لن يحصلوا على شيء، وصرفت الحوالة.. أمي داعية لي فعلا :)

أعطتني الموظفة (نعم كلهن موظفات.. أنت تعلم جيدا أنهم يدخرون خريجي الجامعات من الذكور لقيادة عربة الخضار واللوري واللودر والتوكتوك، والباقون سيشاركون في المئة ثورة القادمة.. أما هذه المخلوقات الجميلة الرقيقة المسكينة فأين يمكن توظيفها بالواسطة إلا في المؤسسات الحكومية؟).. كنت أقول: أعطتني الموظفة 63 دولارا فقط لا غير، لأن البنك فرض عليّ إتاوة ـ أقصد رسوما ـ 2 دولار بحجة أنها مقابل خدمة التحويل، رغم أن صديقي السعودي دفع بالفعل 20 ريالا مقابل هذا التحويل!!.. هذه أول مرة أدفع فيها مقابل الاستلام.. يحيا بنك مصر 3 مرات :)

طبعا وبعد كل هذا الانتظار، وبعد كل هذا الحظ، وبعد كل دعاء الست الحاجة، وبعد كل الموظفات الحسناوات فارضات الإتاوات، وبعد كل العائدين بخفّي حنين، قبلت دفع الإتاوة مُكرها، وأخذت الدولارات المعدودات التي صارت تجني في السوق السوداء كومة كبيرة من الجنيهات المصرية البائسة، وغادرت بنك مصر وأنا أغني: تسلم الأوانس (مَشِّها جمعا لآنسة) :)

ملحوظة:
أرجو ألا يحاول أصحاب نظرية المؤامرة الربط بين الموضوع والصورة، ولا البحث في عائلة صاحب الصورة عن قريب ذي صلة بالموضوع.

كما أني أؤكد أنني لا أسخر من إدارة البنك وما تقدمه من خدمات مدفوعة الإتاوة.

وطبعا هذا ليس تصويرا لمستوى ذكائي بعد العيش في هذه المنظومة حوالي 40 عاما.

يمكنكم القول إن هذا المخلوق الذي يظهر في الصورة وقف مندهشا وهو يحملق فينا وفي طريقة إدارتنا وحياتنا، وهو يكاد يصرخ:

-      إيه اللي انتو بتهببوه ده؟

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صفحة الشاعر