برجاء تسجيل الإعجاب بالصفحة لتصلك كتاباتي على فيسبوك

المتابعون للمدونة

السبت، 12 نوفمبر 2016

الثورات وما بعدها



الثورات وما بعدها
ماذا فعلنا، وماذا ننتظر 

هناك فارق جوهري بين دعوات التظاهر في 25 يناير وبين دعوات التظاهر في المرحلة الحالية: فالناس التي كانت سكرى بالحماس حينها مرت بالتجربة بالفعل ورأت النتائج وأفاقت على واقع مخيف!

ثورة تونس أشعلت حماسا ساذجا في نفوس الشعوب العربية، بعد أن رأوا أن بعض التظاهرات التي تكلفت 300 شهيد فقط قد أطاحت بنظام قمعي مستبد في شهر، فقال الجميع: ولم لا؟.. نحن أيضا نستطيع!

وبعد سقوط نظام مبارك في مصر، وطوال عامين ونصف، كررت فكرتين كثيرا في كلامي على أمل أن يفيق الناس، لكن صوتي لم يصل: 

الأولى:
أن ما حدث في مصر هو من توابع ثورة تونس، ولا داعي لتضخيم أي حركة بأكبر من حجمها.. النظام القمعي في مصر كان قادرا على إحباط أي تحرك داخلي لكن المفاجأة جاءته من الخارج على غير توقع، فارتبك وسقط.. لكننا رأينا بعد ذلك كيف جمع شتات نفسه وخدع الجميع وقمع الجميع!.. ما زال هذا النظام القمعي قادرا (والكل يعلم هذا الآن) وما زال أيضا عاجزا أمام أي مفاجأة تأتيه من الخارج أو كارثة تحيق به من السماء! 

والثانية:
أن الحكام العرب ليسوا هم الرأس الكبيرة، وأنهم مجرد مندوبين عن زعماء العصابة العالمية، وأن الغرب لن يترك الشعوب العربية تتحرر بسهولة، فلديه خبرة كبيرة في التعامل مع ثورات أمريكا الجنوبية وآسيا.. وتمنيت كثيرا أن يتجاوز الجميع خلافاتهم ويستعدوا لمواجهة الغرب، لأن ما حدث في المنطقة العربية أصلا كان من توابع الأزمة المالية العالمية في 2008، وهيلاري كلينتون صرحت في عام 2009 ـ وسمعت تصريحها في الجزيرة وانتهبت له وأخذته على محمل الجد على عكس الحكام العرب ـ أن الأزمة المالية ستثير قلاقل واضطرابات وثورات في دول العالم الثالث!!.. كانت أمريكا تقطع دعمها المالي عن عملائها في العالم بسبب أزمتها، والنتيجة أن كثيرين منهم سقطوا في المنطقة العربية، ولم ينتبهوا لتحذير هيلاري لهم قبلها بعامين!!

(لهواة نظرية أن الثورات العربية مؤامرة: بالتأكيد لم يحرق البوعزيزي نفسه لأنه قابض وإنما لأنه مظلوم، لكن زين العابدين بن علي عميل وقابض، وهروبه المفاجئ ما زال لغزا يحيرني إلى اليوم.. فهل هرب بضغط من الجيش التونسي أم بأمر من أمريكا؟.. المجحوم القذافي بوصفه ثوريا قديما، أول من رأى الطوفان قادما فصرح على الفور بأن الشعب التونسي ناكر للجميل، وعلى "ابن علي" أن يعود وأن يعتذروا له.. عرف القذافي فورا أن كل شعوب المنطقة ستثور، وأن العدوى ستنتشر كالنار في الهشيم.. فهل استغلت أمريكا احتجاجات تونس لتنفذ خطة كونداليزا رايس عن الفوضى الخلاقة، بمجرد توجيه الأمر إلى علي بالهرب، لإثارة حماس الشعوب العربية لإسقاط كل النظم القمعية؟.. مرة ثانية أؤكد مغزى كلامي: الشعوب ليسوا عملاء.. الحكام العرب هم العملاء، ومن السهل أن توفر أمريكا عن طريقهم ـ خاصة مع غبائهم وطاعتهم العمياء ـ الظروف التي توجه المنطقة إلى ما حدث.. حتى الآن ليس لدي ما يؤكد أو ينفي هذه الفكرة). 

وبسبب إدراكي لدور الغرب في هذا المشهد، دعوت قبل أن تحتدم الصراعات الأيدلوجية، إلى ترشح عمرو موسى للرئاسة ـ رغم كراهيتي له ـ فهو وجه مقبول للغرب، على أن يكون معه في حملته الانتخابية باقي المرشحين كنواب ووزراء ومحافظين، بحيث تصبح المرحلة الانتقالية مرحلة شراكة لا مرحلة صراع، فتنتهي سريعا ونتفرغ لتحديات أكبر.. لكن هذا للأسف لم يحدث!.. انشغل الجميع في صراعات داخلية مفتعلة، فاستغل الغرب الفرصة وأخذ يطيح بالثورات العربية واحدة تلو الأخرى: بانقلاب في مصر، وانتخابات في تونس، وحفتر في ليبيا، وأكذوبة داعش الإعلامية في سوريا والعراق، والحوثيين وآل سعود في اليمن!!

وقد أوصل الغرب رسالة لا لبس فيها للشعوب العربية والجماعات الإسلامية وعلى رأسهم الإخوان: أنتم لستم أهلا لمواجهتنا ولا قبل لكم بنا، ومن يتمرد منكم علينا سيكون مصيره مصير سوريا والعراق واليمن وليبيا! (واضح أن الفوضى الخلاقة أفادتهم في إعادة رسم خريطة المنطقة، وتغيير موازين القوى وتحويلها من دول تحكمها نظم، إلى جماعات يحكمها الصراع الطائفي)

وصلت الرسالة وفهمها الجميع.. لهذا قبل أن يدعو أحد لإسقاط أي نظام، يجب أن يقول للناس أولا: ما النظام الذي ستبنيه بعده.. لأننا أسقطنا نظما من قبل بالفعل في عدة دول، وصارت أوضاعها جميعا كارثية!

قبل أن يدعو أحد لإسقاط النظام، يجب أن يكون لديه أولا دستور مكتوب متفق عليه، وحكومة مسماة جاهزة لاستلام السلطة، وخطة واضحة لإدارة المرحلة الانتقالية، وتفاصيل واضحة ومعلنة عن كيفية معاقبة الطغاة ومعاونيهم، ومن سيتم إعدامهم بالاسم ومن سيتم حبسهم ومن سيتم العفو عنهم، ومن ستصادر ممتلكاتهم، ومن سيسمح لهم بالتصالح، وهل سيتم تنفيذ هذا باتفاق مع الجيش أم بصدام معه، وهل سيتحول هذا إلى حرب أهلية، وكم مدتها وكم ضحاياها المتوقعين، وكيف ومتى ستنتهي، وما الضمانات لتحييد الغرب أو الصمود في مواجهته؟

بدون أن تقدم المعارضة إجابات واضحة مفصلة معلنة عن كل ما سبق، لن يتحرك أحد لفعل أي شيء، فلا يوجد هدف.. لا يعني كلامي هذا بقاء النظام الحالي، فهو هالك اقتصاديا وسياسيا وإداريا لا محالة.. لكن ما سيحدث حينها لن يكون استجابة لدعوة منظمة، وإنما انهيار كارثي للدولة وخروج المقهورين في ثورة جياع للسلب والنهب والحرق والاغتصاب!!.. وهي صورة لا تقل كارثية عن الحرب الأهلية!! (تذكر أن هناك آلاف المواطنين يتحولون إلى حالة سوريا والعراق كل يوم، فالفقر والجوع والمرض والتشرد والعجز عن تربية الأبناء والغرق أثناء محاولة الهجرة غير الشرعية والغرق في السيول والموت نتيجة الإهمال والفساد، لا يختلف في شيء عن المصير الذي تخوفونهم به في سوريا والعراق.. سوريا والعراق موجودة بيننا فعلا، وخريطتها تتضخم بسرعة وتضم ملايين المواطنين، وفي لحظة معينة سينفجرون ويدمرون كل شيء).

وما ألاحظه منذ فترة أن الإخوان سكتوا عن كل هذا، واكتفوا بكسب الوقت.. السيسي وعصابته يحاولون كسب الوقت، والإخوان ومن معهم يحاولون كسب الوقت، وكل يراهن على انهيار الثاني أولا!!

وسكوت الإخوان وعدم وجود رؤية وخطة، يعني أنهم أقروا بأنهم عاجزون عن مواجهة الغرب، ولا ألومهم، فإسقاط الرئيس مرسي بأزمة كهرباء وأزمة بنزين، وانقسام الشعب ضده، يعني أن الإخوان بلا حاضنة شعبية كافية (كحاضنة حماس في غزة) وليس وراءهم شعب يستطيع احتمال التضحيات في معركة طويلة الأمد مع الغرب (كصمود الفلسطينيين أكثر من قرن في وجه الصهاينة)، وبالتالي من العبث مواجهة أعتى قوة عسكرية في العالم في هذا الوضع!

ولكن الصورة على المعسكر الآخر لا تقل قتامة، فالمنطقة منهارة، ومصر أفلست، والجيش عاجز عن حل أي مشكلة، والوضع الاقتصادي تخطى الهاوية (صارت الصحف العالمية تعلن هذا كثيرا مؤخرا).. كما أن الأزمة العالمية العالمية لم تحل تماما بعد، واليمين المتطرف صعد في أوروبا وأمريكا، والمهاجرين من الشرق الأوسط سببوا كوارث لأوروبا، وانهيار مصر في أي لحظة يرعبهم بأكثر من انفجار قنبلة نووية، لأنها ستقذف على أوروبا عشرات الملايين من المهاجرين!!

إذن فالمطلوب الآن مواجهة الغرب بندية لكن ليس بصدام، وتقديم خطة تعايش تضمن لنا الحد الأدنى، ويقدم فيها الإسلاميون بعض التطمينات بأنهم لن ينفردوا بالحكم الآن، وأن هذا ليس أوان مشاريع الخلافة التي ترعب الامبراطورية الأمريكية!

أمريكا تحتاج إلى تيار سني قوي لموازنة الطموحات الإيرانية الشيعية والأحلام الروسية، ومنع انهيار باقي دول المنطقة.. وفي نفس الوقت لا أمل للإسلاميين في القضاء على العلمانيين رغم أنهم بلا جذور شعبية، فوراءهم إعلام الغرب وأمواله وأسلحته!.. وعلى كلا الطرفين (الإسلاميين والعلمانيين) التعايش معا مرغمين إلى حين.. وعلى الجيوش المتوغلة في أنظمة الحكم، التراجع خطوة إلى الوراء مع الاحتفاظ بمعظم مكاسبها، وترك المسرح السياسي قبل أن تجد نفسها في مواجهة شعوبها الجائعة.. سوريا والعراق واليمن وليبيا مثال على ما يحدث بين الشعوب والجيوش.. لا تخوفونا نحن فقط من هذا المصير، فالأولى أن تخيفوا أنفسكم أولا!! 

الخلاصة:
الجميع الآن منهكون، ضعفاء، كل منهم مشوه أمام جزء لا يستهان به من الشعب ومكروه من باقي الفرقاء، ولا يقدر أحد منهم على حكم مصر بمفرده، ولا الخروج عن إرادة الخليفة الأمريكي (والأسوأ أنه الآن المعتوه كرومب، أقصد ترامب!!) وعلى الجميع التراجع خطوة إلى الوراء وإيجاد صيغة للتشارك في السلطة في ظل رضا أمريكا وأوروبا، لاستباق الانهيار الكامل في مصر الذي صار وشيكا، فساعتها لن يتبقى شيء لأحد ليحكمه!

وبالمناسبة: أي شخص يقول لك قيادة الشباب اضربه على قفاه.. الشباب مهمون جدا في الثورات وهم وسيلة التغيير لكنهم مجرد بيادق تنفذ أدوارها، وأقصى ما يستطيعون تقديمه هو أن يضحوا بأنفسهم من أجل التغيير دون أن ينتظر من يعيش منهم ثمنا إلا الهدف الأسمى وهو إصلاح الوطن.. فالذي يدير اللعبة هو من لديه العلم والخبرة والثقافة والكثير من المعلومات عن حقائق الأوضاع، وليس من لديه الحماس ولا شيء غيره!.. الملك فاروق وعبد الناصر والقذافي كانوا شبابا حينما وصلوا إلى الحكم، ونحن إلى اليوم نحاول الخروج من المستنقع الذي أوصلونا إليه!!.. ليس معنى الثورة على حكم الديناصورات من أمثال مبارك وعبد الله صالح، أن نعود إلى حكم العيال!!

والحقيقة أن أحد أسباب عدم تفاؤلي بعد ثورة يناير، هو الشباب أنفسهم، فلو كان مبارك وتعليمه وإعلامه وأزهره ووزارة ثقافته ربوا شبابا واعيا ناضجا مثقفا، لما كانت هناك أي حاجة للثورة على مبارك، ولا كان هذا حال مصر اليوم أصلا، ولا كان مستوى السيسي ولواءات الجيش تدهور إلى ما ترونهم عليه في حواراتهم الإعلامية!!

التغيير يحتاج خطة.. والخطة تبدأ بالفهم وتقدير نقاط الضعف والقوة فيك وفي خصمك، والتدرج عبر المراحل لتحقيق أهدافك الممكنة فالممكنة.
الثيران الهائجة لا تبني دولا!
الثورة ما زالت مستمرة، والتغيير حدث ويحدث.. لكنها لن تنجح في إحداث تغيير إيجابي ملموس في الواقع، ما لم تغير وعينا وأهدافنا أولا.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صفحة الشاعر