المتابعون للمدونة

الخميس، 30 أغسطس 2018

النحلة الذهبية والعسل الأسود



اثنان في واحد (ليس برت بلاس)
(5)




مضى وقت طويل ونحن نتبادل النظرات الذاهلة، قبل أن يقول محمد ولي (الذي صفعته ناني على خده الأيسر لأنه لم يراقصها):

-      يا إلهي.. هذا مستحيل!

هززت رأسي بعنف، واتجهت نحو محمد ولي (الذي لم تصفعه ناني على خده الأيسر _ وليتها فعلت)، وقلت له في حزم وصرامة واقتضاب:

-      اصفعني.

نظر لي الفتى بدهشة، فزمجرت هاتفا فيه:

-      قلت اصفعني.. هيا.

تردد وهلة، ثم أمام إصراري لم يجد أفضل من أن يصفعني بوهن، وهو ينظر لي حائرا.

ولكني هتفت فيه مغضبا:

-      قلت لك اصفعني، وليس دغدغني.. اصفعني.

وأمام كل هذا الإصرار، رفع يده وهوى بصفعة كالقيامة على خدي، جلجلت في دويّ عنيف، فراحت الدوامات تدور في عينيّ، والعصافير تحوم حول رأسي بسعادة!

وتجمدت في مكاني بذهول، قبل أن يغلي الدم في عروقي، وأصرخ فجأة بغضب عارم:

-      أيها الحقير!

وهويت على فكه بلكمة ساحقة، انتزعته من مكانه وضربت به الباب من خلفه، فأغلقه وهو يسقط أرضا، وأنا أواصل مرتعدا في غضب:

-      كيف تجرؤ على صفعي أيها الحقير؟

أسرع محمد ولي (الذي صفعته ناني على خده الأيسر لأنه لم يراقصها) يقول مهدئا:

-      مهلا يا غانم.. أنت الذي طلبت منه هذا.

نظرت له بدهشة، كأنني أتذكر حقيقة غابت عن ذهني، ثم اكتسى وجهي بحمرة الخجل، وهدأت نبرة صوتي وقلت وأنا أحك مؤخرة رأسي:

-      عجبا.. لم آخذ بالي مطلقا!

ثم هتفت فجأة:

-      يا إلهي.. لقد صفعني ولم أستيقظ.. إنه ليس حلما إذن!

نعم ليس حلما.. إذن فما هو؟

***

هو الفجرُ..

يهلُّ فترقصُ الأزهارُ بينَ سحائبِ العطرِِ

ويشدو الطيرُ بالألحانِ والآفاقُ بالبِشرِ

وتصحو الشمسُ،

يلهو النور فوقَ خدودِها الحمرِ

***

هو من جديد ذلك الشيء الذي لا غنى عنه لكل ربة بيت.

معذرة لأننا سنضطر إلى الاختصار هذه المرة، لأن الفقرة الإعلانية التي سمح بها الناشر بعد الضغط على ذلك المؤلف الوغد صغيرة للغاية.

تذكروا حلة بخاركو للطهي والكي.

***

والآن نبدأ الفصل الأول من قصتنا.

لا تندهشوا، فالأمر بسيط للغاية.. كل ما فات كانت فصول المقدمة.. أما فصول القصة، فتبدأ من هنا.. من منتصف الفصل الخامس من المقدمة!

نعم يا سادة.. أنتم تتعاملون مع مؤلف غير تقليدي بالمرة.. وبما أن هذا العمل هو باكورة إنتاج فن الرعاشة، فمن حقي أن أضع قواعد هذا الفن كما يحلو لي.. هذه فرصة ذهبية لأفرض ما أريده على النقاد، وأكسر القوالب الجامدة للنصوص الأدبية. (اهئ.. اهئ.. لا عجب أنني لم آخذ حقي من الشهرة والنجاح بعد.. فالنقاد لا يقدرون موهبة فذة لهذه الرجة!)

وأهم مبدأ سأرسخه في فن الرعاشة، هو مبدأ الثرثرة غير العضوية الخلاقة (فهي تخلق جوا من الألفة بين المؤلف والقارئ، كأنهما جالسان على مصطبة في الأرياف ساعة العصر، يرتشفان كوبين من الشاي الأسود الثقيل، ويخوضان في أعراض العمدة وشيخ البلد وشيخ الخفر وشيخ الحارة وشيخ الجامع وشيخ المنصر، بعد انتهاء موسم جني القطن)، ضاربا بمبدأ التكثيف عرض الحائط.

فقد كنت دائما أتعجب لماذا يرفض النقاد أي كلمة زائدة في النص لا تفيد أحداث العمل الفني.

أنا مثلا لا أرى أي عيب في أن أدردش معكم الآن قليلا في بعض الأمور الهامة، مثل قضية النحلة الذهبية والعسل الأسود، وهي قصة طريفة لم أكتبها بعد، وأجدها فرصة مثالية أن أكتبها هنا!

يقال إنه في أرض البطاطس، كانت هناك نحلة ذهبية لونها أخضر فُحلُقي (للنحل الذهبي ألوان كثيرة، مثل الأحمر المسخسخ على روحه، والبرتقالي المعصور).. وكانت النحلة الذهبية تعيش مع زوج أمها القاسي، حيث كان يكلفها بكل الأعمال الشاقة المؤبدة، بلا رحمة ولا وازع من ضمير.

ومع كل مثل هذا الذي أي شيء، لم تعد النحلة الذهبية الخضراء الفحلقية قادرة على إفراز العسل الأبيض، فذهبت إلى طبيب أمراض النحل والتبييض (يناظر عندنا طبيب أمراض النساء والتوليد)، فاقترح عليها إجراء جراحة بالمنظار، لأن غدد العسل كانت في وضع غير طبيعي، ولكن زوج أمها رفض هذا الاقتراح من منبته، ودَعَّ النحلة الذهبية الخضراء الفحلقية إلى البيت دعّا، فعادت معه كسيرة الجناح، وما إن استوت على فراشها، حتى أخذت تبكي بدموع سوداء، راحت تنهمر على خديها، وتبلل شفتيها، فاكتشفت أن لهذه الدموع مذاقا حلوا، ففرحت بشدة، وذهبت لتخبر زوج أمها، الذي تشكك في الأمر في البداية، وتذوق الدموع السوداء في حذر، فأذهله حلاوتها الطاغية.

ولم يلبث زوج أم النحلة الذهبية الخضراء الفحلقية طويلا حتى تفتق ذهنه الشيطاني عن خطة شريرة، فراح يضرب النحلة الذهبية الخضراء الفحلقية كل ليلة، ليجمع دموعها السوداء ويبيعها في السوق حيث ربح منها مبالغ طائلة!

وتلك كانت قصة نشأة العسل الأسود!

ولكن ريثا.. إن القصة لم تهرول إلى خط النهاية بعد..

لقد ضجت النحلة الذهبية الخضراء الفحلقية، وجأرت بالدعاء إلى الله، فجاءتها فكرة مدهشة.

وحينما جاء زوج أمها ليضربها في اليوم التالي، استقبلته في هدوء، وعلى ثغرها بسمة ساخرة متحدية.

وعبثا حاول زوج أمها جعلها تبكي، ولكنها كانت تضحك وتزداد ضحكا كلما ضربها، حتى أصابه الإجهاد ويئس من أمرها، وأيقن أنه لن يحصل بهذه الطريقة على أيّ عِضَة من عِضِي النجاح والفلاح، فانصرف عنها خائبا حسيرا.

لكنه ظل يدير الأمر في رأسه الشيطاني، إلى أن فكر في حيلة ذكية تنمّ عن درجة عالية من الحَجا.

وفي اليوم التالي، فوجئت النحلة الذهبية الخضراء الفحلقية بزوج والدتها يعاملها بحنان جم ويحدب عليها، بل واحتضنها معتذرا عما بدر منه، فتأثرت النحلة الذهبية الخضراء الفحلقية تأثرا كبيرا، وسالت دموعها دون أن تدري و.....

وهنا أسرع زوج أمها يجمع دموعها في شراسة وهو يضحك في ظَفَر وشماتة، فخورا بفلاح حيلته.

ولكنه انتبه هذه المرة إلى أن العسل الذي جمعه كان أزرق اللون تماما، وله مذاق أحلى من سابقه.

وتلك هي قصة نشأة العسل الأزرق.

(ملحوظة: لم يتم اكتشاف العسل الأزرق بعد).

لا تقلقوا.. القصة لم تنته بعد.. ما زال أمامنا قصة اكتشاف العسل البرتقالي، والعسل البنفسجي، والعسل الأخضر، وعسل مختلف ألوانه كثير.

ولكن دعونا نُحرِد هذا الموضوع جانبا الآن، فهو ليس موضوع الرعاشة الأصلي، وإن كنت أفضل الحديث فيه أكثر من أي شيء، لأنه موضوع لذيذ مليء بالعبرات والعبر.

بالمناسبة: تذكرت الآن أن صديقي الذي ذهب لإحضار النملة لنعد أرجلها لم يعد بعد.. الوغد!.. لماذا تركني جائعا هكذا؟.. قلت له أن يحضر النملة ويعود مسرعا قبل أن أتميّز جوعا.. هل تراه الآن يراقص ناني ونسيني؟

***

-      لو سمحت يا أستاذ.

-      قارئي المفقوع؟!.. أهلا أهلا.

-      هل يمكن أن تخبرني أين نحن الآن لأنني تهت؟

-  نحن الآن في المدينة الجامعية لطلبة جامعة القاهرة في منطقة بين السرايات بالجيزة.

-      أعرف هذا، ولكنه ليس ما أعنيه.. أين نحن في الأحداث الآن؟

-  نحن الآن جالسان على مصطبة في الأرياف ساعة العصر، نرتشف كوبين من الشاي الأسود الثقيل، ونخوض في أعراض العمدة وشيخ البلد وشيخ الخفر وشيخ الحارة وشيخ الجامع وشيخ المنصر، بعد انتهاء موسم جني القطن.

-  جميل.. وأين إذن القصة الأصلية التي أسميتها "اثنان في واحد ليس برت بلاس".

-  إنني أحكيها بالفعل ونحن جالسان على مصطبة في الأرياف ساعة العصر، نرتشف كوبين من الشاي الأسود الثقيل، ونخوض في أعراض العمدة وشيخ البلد وشيخ الخفر وشيخ الحارة وشيخ الجامع وشيخ المنصر، بعد انتهاء موسم جني القطن.. ولقد انتهينا حتى الآن من شق "اثنان في واحد" بظهور محمد ولي الذي ضربته أنا في فكه بعد أن صفعني على خدي، والذي هو نسخة طبق الأصل من محمد ولي الذي صفعته ناني على خده لأنه لم يعرف كيف يراقصها.

-  رائع.. وبهذا المعدل السلحفائي في الحكي.. كم صفحة تظن أنك تحتاج لتنهي لنا هذه الحكاية؟

-  إمم.. سؤال وجيه.. ستكون الأمور على ما يرام لو أن الأرنب كان كسولا واستطاعت سلحفاة الحكي أن تسبقه.. ثم إنني سردت نصف الأحداث حتى الآن بالفعل، ولم يتبق إلا الشق الخاص ببرت بلاس.. لا تقلق.. الناشر يتفاوض معهم حاليا للحصول على ثمن هذه الدعاية، ولو نجح، فستنتهي الرواية بأسرع مما تتصور, ولن تتجاوز الألف صفحة بأكثر من مئتين وخمسين صفحة على الأقل، بأي حال من الأحوال.

-  طمأنتني.. رُح يا شيخ وفقك الله.. سأذهب الآن للحصول على جرعة من المهدئات، وأتركك تواصل شرب الشاي على المصطبة.. السلام عليكم.

-      وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. لا تتأخر غدا، فأنا في انتظارك!

***
 
 
 

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صفحة الشاعر