المتابعون للمدونة

الخميس، 30 مايو 2013

نيل مصر في خطر (1/6)


نيل مصر في خطر

شرعت في كتابة هذا البحث في سبتمبر 2009 وظللت أنقحه وأطوره بعدها طوال عام 2010 مع تطور الأحداث، وتطوير الحلول والبدائل، وأظن هذا وقت مناسب لإعادة طرحه

 

(1/6)

دجلة والفرات يجفان، وشط العرب ينحسر ووصلت نسبة ملوحة مياهه إلى 100%، بسبب السدود التي تبنيها تركيا وإيران وسوريا على روافد النهرين، مما يهدد بلاد الرافدين صانعة الحضارة بالاختفاء من على الخريطة!

ولا أظن حال نهر النيل في مصر سيكون بأفضل من دجلة والفرات، بعد بناء أثيوبيا وأوغندا للسدود على روافده، حيث بنت الصين سدا في أثيوبيا سيحجز 9 مليار متر مكعب من حصة مصر، بينما تمول إسرائيل إنشاء 3 سدود في أوغندا.. هذا عدا توقيع أربع من دول المنبع على اتفاقية الإطار بدون مصر والسودان يوم 14/5/2010.

هذه كارثة بكل المقاييس، وفي سنوات الجفاف في دول المنابع، لن يتوقع أحد أن تفتح لنا هذه الدول سدودها، مما يعني انحسار النيل عن المحافظات الشمالية تدريجيا، إلى أن تعود مواسم الأمطار والفيضانات!

 

طبعا أول ما يتبادر إلى الذهن في مثل هذه الحالات، هو الموقف الانفعالي بمحاربة دول المنبع.. هذا أسوأ تفكير ممكن، للأسباب التالية:

1-   عدد سكان أثيوبيا وحدها وصل إلى 80 مليونا.

2- إسرائيل تدرب هذه الدول على حرب العصابات وتزودها بأحدث الأسلحة، وستقف أمريكا وراء هذه الدول، والأسوأ أن الصين هي التي تبني السدود في هذه الدولة، ولها استثمارات زراعية هناك.. هذا معناه أننا سنثير علينا كل العالم!

3- نحن غير مؤهلين للحرب في الأحراش والغابات وسط الحيوانات المفترسة والأوبئة المميتة والجو الذي لم نتكيف معه.. إن الأرض تحارب مع أصحابها، لأنهم أقدر على فهمها والتكيف معها.. ومن المعروف أن حروب الغابات والأحراش يمكن أن تستمر لعقود، وستكون حرب استنزاف طويلة.

4- جنوب السودان على وشك الانفصال، وحتى لو لم ينفصل، فهو لن يوفر لنا الدعم الكافي، وسيكون عقبة أمامنا عند محاربة أثيوبيا. (انفصل بالفعل منذ عامين!!)

5- أي تورط لنا في حرب في أفريقيا سيضعف قدرتنا على الدفاع عن سيناء، وستكون الفرصة سانحة أما إسرائيل لإعادة احتلالها، أو طرد أهل غزة إليها.

6- إذا حاربنا أثيوبيا اليوم، أو حتى ضربنا السدود بالطائرات، فستبيت أثيوبيا لنا الثأر والعداء، وصمام الماء في يدها، وسيكون عدد سكانها بعد 15 عاما أكبر من عدد سكان مصر.. ناهيكم عن تزويد إسرائيل لها بأحدث الأسلحة.. كما أنها تستطيع الرد علينا بضرب السد العالي ببضع طائرات تشتريها من إسرائيل!!

7- مشكلة الجفاف ليست مرتبطة فحسب بخطط إسرائيل وما تفعله أثيوبيا ودول المنابع، فبسبب تغيرات المناخ واحترار الأرض وذوبان جليد القطبين، يتوقع المختصون حدوث مواسم جفاف في أحواض المسيسبي والأمازون والنيل في السنوات المقبلة، في مقابل فيضانات وأعاصير مدمرة في الهند وشرق آسيا.. إذن فاحتمال الجفاف وارد على كل حال، حتى بدون إقامة أي سدود في دول المنبع، وكنا على أعتابه في الثمانينيات حينما استمر الجفاف 7 سنوات متتالية حتى وصل ارتفاع بحيرة ناصر إلى 155 مترا، لولا أن الله سلم.. إضافة إلى هذا، سيتضاعف سكان مصر ودول حوض النيل (من 387.4 مليون نسمة عام 2007م إلى نحو 654.3 مليون نسمة في عام 2030)، حتى إن عدد سكان أثيوبيا سيزيد عن عدد سكان مصر في الخمسة عشر عاما المقبلة!!.. هذا معناه أنه حتى لو ثبتت حصص كل دولة من المياه كما هي الآن، فلن تكفيها.. على الأقل ستكفي للشرب، لكنها لن تكفي للزراعة!.. كل هذه مشاكل لن تحلها الحروب، بل ستزيدها سوءا.

8- نحن مسلمون ولسنا سفاحين، ولم نأت إلى الحياة لإبادة البشر بل لنشر الخير والعدل، وهذه الدول فيها مسلمون أصلا (40% من سكان أثيوبيا مسلمون حسب الإحصاءات الرسمية، لكن التيارات الإسلامية هناك تقول إن المسلمين تجاوزوا ثلثي السكان)، ومن العدل والإنصاف أن نقرّ بأننا لسنا أفضل من هؤلاء البشر ولا أحق بالحياة منهم، وليس عليهم أن يشاهدوا مياه النيل تأتي إلينا بينما هم يموتون عطشا وجوعا، فنحن لسنا سادة وهم ليسوا عبيدا!

 

لكل هذا، علينا أن نهجر هذه الأفكار العنترية التي ستوردنا موارد الهلكة، والتي ربما تكون خسائرها البشرية والاقتصادية أكبر وأخطر من انخفاض حصتنا من مياه النيل، وبدلا من هذا يجب علينا وضع خطة طوارئ مفصلة منذ الآن، لمواجه احتمال الجفاف أو انخفاض حصتنا من مياه النيل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

صفحة الشاعر