برجاء تسجيل الإعجاب بالصفحة لتصلك كتاباتي على فيسبوك

المتابعون للمدونة

الأربعاء، 7 يونيو، 2017

القتل بين التكفير والاستهانة بالدماء



القتل بين التكفير والاستهانة بالدماء:

سبق أن نشرت موضوعا عن آية خلود القاتل في جهنم، وكيف أنها جاءت في سياق الحديث عن نوع من المنافقين يقاتلون مع أقوامهم وأوطانهم ضد المسلمين.. فهل معنى هذا أن جريمة القتل أمر هين، تكفي التوبة عنه للهروب من جهنم؟

في الحقيقة، هناك خلل كبير في فهمنا للتوبة ومغفرة الله في الإسلام.. يقول سبحانه:

(إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ)

فالبعض يتخذ هذه الآية وغيرها من الآيات والأحاديث سبيلا لاستسهال المعصية وظلم الناس، باعتبار أن الحسنات يذهبن السيئات، والحج كفارة لما قبله، وأن الله يقبل التوبة ويغفر الذنوب.. وكل هذا صحيح لكن بعضنا لا ينتبه إلى فارق جوهري بين المعصية والظلم.

فالمعصية تكون بمخالفة شرع الله، ويترتب عليها ذنب، يغفره الله لمن شاء إن صحت توبته عنه.

أما الظلم فهو أيضا معصية، لكنه خطأ في حق عبد من عباد الله.. ويمكن أن يغفر الله ذنب المعصية، لكنه سبحانه عادل، ولن يضيع حق المظلوم.. ولاحظ أن الله لا يغفر الشرك لأنه ظلم (إن الشرك لظلم عظيم).. لهذا لا يسقط ذنب الظلم إلا بالتوبة عن بإحدى هذه الوسائل:

-      أن يرد الحق لصاحبه أو أن يعطيه تعويضا عما أصابه أو يدفع دية القتيل.

-      أن يغفر المظلوم لظالمه ويعفو عنه.

-      أن يقتص المظلوم من الظالم بالطرق الشرعية، أو يطبق ولي الأمر الحد على الظالم إن كان لجريمته حد كالقتل والسرقة.

غير هذا، فسيحكم الله بين الظالم والمظلوم في الآخرة، كما يوضح هذا الحديث الشريف:

"الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاتِهِ وَصِيَامِهِ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُقْتَصُّ لِهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَلِهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِذَا فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ"

هذا حديث مخيف في إيضاح عاقبة الظلم، وكيف أنه يلتهم الحسنات (السيئات أيضا يذهبن الحسنات).. وواضح أن السيئات التي تقابل أفعال الظلم ضخمة للغاية، لأنها تلتهم حسنات الأعمال (وهي مضروبة في 10 أصلا لأن الحسنة بعشر أمثالها)!.. فالله سبحانه وتعالى يكره الظلم وحرمه على نفسه.

إذن.. أين يقع القتل في هذه الصورة؟

لكي تتخيلوا حجم الكارثة، تذكروا أنه (من قتل نفسنا بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعا)!

أي أن قتل إنسان بريء واحد يعادل قتل ترليونات (ملايين الملايين) من البشر من يوم خلق سيدنا آدم إلى قيام الساعة!

تخيل لو أن القاتل أخذ سيئة واحدة فقط على كل واحد منهم.. من أين له بحسنات تعادل هذا؟!

والأسوأ من هذا، أن القاتل ليس فقط من يقتل بيده.. بل يشترك معه كل من يأمر بالقتل ويحرض عليه ويدافع عنه ويهلل له أو حتى يسعد له في قرارة نفسه ويشمت في المقتول ويدعم القاتل ولو بقلبه!.. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(لو أن أهلَ السماءِ وأهل الأرضِ اشتَرَكُوا في دمِ مُؤْمِنٍ لأكَبَّهُم اللهُ في النَّارِ)

بعد كل هذا يظن الواحد من هؤلاء أنه سيذهب للحج فيعود مطهرا من الذنوب كيوم ولدته أمه (هذا إن قُبِل منه الحج أصلا، لكن هل يقبل الله حجة الملوثين بالدماء؟.. الله أعلم).. صحيح لقد خسرت ذنوبك، لكن هل سقطت عنك مظالم الناس؟.. وهل ما معكم من حسنات الصلاة والصيام والحج ستكفي لرد هذه المظالم يوم القيامة؟

نفس الكلام ينطبق على باقي الكبائر من تعذيب وسرقة وغصب ممتلكات وتشويه سمعة افتراء وكذبا ... إلخ.. لكن أبشعها القتل طبعا.

فليحذر كل إنسان يظلم أو يؤيد ظالما، فهناك دعوة مظلوم تطارده في الدنيا، وذنوب مظالم تتراكم ستلتهم حسناته في الآخرة.

 

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صفحة الشاعر