برجاء تسجيل الإعجاب بالصفحة لتصلك كتاباتي على فيسبوك

المتابعون للمدونة

الأربعاء، 7 يونيو 2017

هل القاتل كافر؟



هل القاتل كافر؟ 

(وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا)

منذ عشر سنوات، استدل كاتب شاب في حوار معي بهذه الآية الكريمة في سياق تشكيكه في الأحاديث النبوية، بحجة أن هناك أحاديث تقول إن هناك عصاة سيخرجون من النار، بينما هذه الآية تقول بخلود الكافر في النار، وبالتالي فالأحاديث غير موثوق بها، لأن من سيدخل النار سيخلد فيها حتى لو كان مسلما!

طبعا هذا الكلام يخالف القرآن نفسه، فالله سبحانه وتعالى يقول: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره.. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره)

فهل يعقل أن يتساوى المسلم العاصي بالكافر والمشرك يوم القيامة؟

(أفنجعل المسلمين كالمجرمين.. ما لكم كيف تحكمون)

وقد برزت نفس القصية إلى السطح مؤخرا، حينما تكلم إسلام البحيري عن هذه الآية واتخذها ذريعة لتكفير داعش لأنها تقتل المسلمين (ورأيي ثابت في داعش منذ أول يوم، أنها فزاعة تم اختراعها لشيطنة الثوار السنة في العراق ثم سوريا ثم تم اللعب بها في مصر وليبيا وحتى نيجيريا، فلست ممن يدافعون عن داعش بأي حال)، وهو يرى أن الآية تنص على خلود من يقتل المؤمنين في النار، لكن من يخلد في النار هو الكافر، وبالتالي فداعش كفار!!

هذا كلام مرعب، فداعش ليست فقط هي من يقتل، وفتح هذا الباب سيؤدي إلى تكفير كل فئة للفئة التي تقاتلها، بدءا بالجيوش النظامية، فالوطن العربي الآن مشتعل بالثورات والحروب الأهلية والطائفية!!.. إسلام بحيري يقدم عرض تكفير بالجملة غير مسبوق!!
وقد بحثت في تفسير تلك الآية الكريمة، ولم أهتد لتفسير شاف حينها، إلى أن لاحظت منذ عامين وأنا أقرأ السورة كلها أننا ننظر إلى الآية بمعزل عن سياقها، وانتبهت لأول مرة إلى أن هذه الآية تتحدث عن نوع معين من المنافقين، بدءا من قوله تعالى في الآية 88 من سورة النساء:
(فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ.....)
فالآيات تتحدث عن أولئك المذبذبين بين قومهم والمسلمين أثناء الحرب بينهما، فبعضهم يرفض القتال مع أي من الطرفين، وبعضهم يتعهد للمسلمين بعد مقاتلتهم مع قومه، وبعضهم يقاتل مع قومه ضد المسلمين، كما بينت هذه الآية:
(سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا {91})
هنا تأتي الآية التالية مباشرة لتقر هذه الحقيقة:
(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا....)
وفي الآية التالية:
(وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا....)
ما زلنا في الآيتين في سياق الحرب الدينية بين مسلمين وكفار.. لأن هناك آية أخرى في سورة الحجرات تتحدث عن القتال بين فئتين من المؤمنين:
(وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ {9} إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ {10})
فالآية هنا وصفت كلتا الطائفتين بالإيمان وأوضحت كيفية معالجة الصراع الناشب بينهما والإصلاح بينهما.. وقد وقعت الفتنة بين الصحابة بعد مقتل سيدنا عثمان، وظن كل طرف أنه على حق ونشب القتال بينهما.. فهل سيخلد في النار كل صحابي قتل أحدا في هذه الحرب طبقا لسورة النساء، أم تنطبق على هذه الحالة سورة الحجرات؟
وهناك حالة ثالثة وردت في الحديث الشريف:
(إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار.. قلت: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه).
هذه حالة يتعمد فيها كلا الطرفين قتل الآخر وأظنها تختلف عن الحالة التي يتحارب فيها جيشان كل منهما يظن أنه يدافع عن الحق.. ولم ينص الحديث على الخلود في النار هنا.
والله أعلم.
ملحوظة: من المنظور الذي أوضحته الآن، فليحذر كل من يؤيد قتل التيارات الإسلامية لأنه يراهم ضد الوطنية بسبب دعوتهم لعودة الخلافة، وأخشى أن تنطبق عليه صفة (ومن يقتل مؤمنا متعمدا).. فكأن الآية تفهم: متعمدا قتله بسبب إيمانه.. لأنه هنا يريد قتلهم أساسا بسبب أفكارهم التي يؤمنون بها لا بسبب ما يدعيه من أفعالهم، وإن فعل بعضهم شيئا فالعقاب يجب أن يكون على قدر الفعل وببينة لا بشبهة ولا بافتراء.
والآن فلنقرأ آية سورة النساء في سياقها:
(فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً {88} وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا {89} إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَآؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً {90} سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا {91} وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا {92} وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا {93})

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صفحة الشاعر