برجاء تسجيل الإعجاب بالصفحة لتصلك كتاباتي على فيسبوك

المتابعون للمدونة

الخميس، 11 يناير 2018

ظل المحارب وظل الواقع



ظل المحارب وظل الواقع

عُرِضَ مسلسل "ظل المحارب" لأول مرة عام 2008، وقد شاهدت مشهدا منه على إحدى الفضائيات حينها فلفت انتباهي، وظل يشغل حيزا من ذاكرتي، إلى أن قمت بتنزيله من على الإنترنت بعدها بفترة (لا أذكر السنة تحديدا) ، لكنه تاه مني وسط الزحمة وقيام الثورات العربية، إلى أن قررت مشاهدته أخيرا في نهاية عام 2014.
المسلسل كتبه بشير الديك، وأخرجه نادر جلال، بطولة هشام سليم وعلا غانم وباسم ياخور، وتم تصوير معظم مشاهده في سوريا.
المثير للدهشة والتساؤل، أن المسلسل من إنتاج شركة عرب سكرين وقطاع الإنتاج بالإذاعة والتلفزيون المصري!!
ومنبع التساؤل، هو أن المسلسل الذي يسقط الواقع على دولة افتراضية اسمها كربستان، يروج ويبرر لفكرة الثورة (المسلحة) ضد نظام حكم عسكري قمعي استبدادي يبيع ثروات الدولة للشركات العالمية.. والغريب أنك تشعر أن المسلسل مألوف لك بشكل كبير، فمعظم كلام الطاغية رباح الحديدي تسمعه في الأخبار.. على سبيل المثال، حينما أعلن في مؤتمر صحفي أن الأقمار الصناعية رصدت مصنعا في منطقة الثوار لتصنيع غاز الخردل المحرم دوليا (وهو مجرد مصنع لعصر الزيتون)، وأنهم إرهابيون ليسوا خطيرين فقط على أمن كربستان بل على العالم كله، وأنهم يتبعون تنظيم القاعدة!

شاهدوا هذا المشهد من بداية الحلقة 17 من المسلسل.

تشاهدون في المسلسل أيضا الإرهاب المصطنع الذي يقف خلفه آدم سميث ممثل الشركة الدولية (التي استخدمها المسلسل بديلا عن الولايات المتحدة الأمريكية)، حيث يدبر اغتيالات لأطفال المدارس وانفجارات في الأسواق، وهناك حوارات بين الأبطال عن سهولة اتهام أي مناضل ثوري بالإرهاب، وفي أحد الحوارات يقول أحد الشخصيات إن مقاومة المصالح الاستعمارية ممكنة لشعوب العالم الغربي، لكن لو قامت بها شعوب العالم الثالث فستتهمها كل الدول الكبرى بالإرهاب (نفس ما حدث بعدها في العراق وسوريا في ظل تسمية كل ثوار السنة باسم داعش، وتشويه هذه الداعش إعلاميا بفديوهات الذبح، وهو شبيه بما يحدث في ليبيا أيضا!!)

شاهدوا مثلا هذا الحوار في بداية الحلقة التاسعة من المسلسل.

وكما قلت، يبرر بشير الديك في المسلسل حمل السلاح للدفاع عن النفس والانتقام ورد العدوان.. فبعد اغتيال زعيمين من زعماء الثورة، يرسل عامر بعض رجاله الذين ينجحون في اغتيال وزيرين من الحكومة وقائد القوات الجوية وقائد المكتب الثاني (أحد أجهزة الأمن)، وتفشل محاولة اغتيال آدم سميث.

وحينما يتوجه الجيش لمهاجمة المقاطعة التي يتحصن فيها الثوار، يتم نصب فخ له وقتل 150 من قواته وأسر حوالي 100 وجرح العشرات، وغنيمة معظم أسلحته ومعداته!!

المثير في المسلسل أيضا، اعتصام الطلبة والعمال في ميدان الثورة في كربستان، ومحاصرة الجيش للمعتصمين، لكن الضباط يترددون في إطلاق النار على المتظاهرين، وحتى الطاغية "رباح الحديدي" نفسه يتدخل لإيقاف الأمر على عكس رغبة وزير دفاعه، ما يجعل الأخير يلجأ إلى استخدام مرتزقة عالميين لمهاجمة الميدان وفض الاعتصام دمويا (الطرف الثالث!!).. إم... أين رأيت هذا من قبل؟

السؤال الذي يشغلني هو: لماذا كتب بشير الديك هذا المسلسل بعد عام من تصريح كونداليزا رايس عن إشاعة الفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط (ذكر بشير الديك المصطلح في المسلسل في إحدى الحوارات)؟.. مع ملاحظة أن هذا المسلسل واحد من موجة أفلام ومسلسلات ظهرت متلاحقة منذ ذلك التاريخ للتحريض ضد النظام وسلطة الدولة، وأذكر أنني حينها كنت أجلس على مقهى في وسط البلد مع أحمد بلبولة وبعض المثقفين، وقلت لهم:

- بمجرد أن أطلقت "رايس" مصطلح الفوضى الخلاقة، صرنا نرى جمهور السينما يصفق للإسلامي المظلوم وهو يقتل رجل الشرطة في نهاية فيلم يعقوبيان، ونسمع عبارة: "من النهاردة مفيش حكومة.. أنا الحكومة" في فيلم الجزيرة (الذي عاش البطل في نهايته وهرب من المستشفى!!)، وغيرها من الأفلام التي تمس هيبة الدولة ومبارك نفسه.. فهل هذا من قبيل الصدفة؟

كيف سمحت أجهزة الأمن بظهور مسلسل يدعو للثورة المسلحة، ويشترك قطاع الإنتاج في التلفزيون المصري في تمويله، وهو بالمناسبة إنتاج ضخم تشترك في تصويره وحدات عسكرية سورية بمدرعاتها ودباباتها؟!

هل من المصادفة أن تحدث ثورة في مصر وسوريا (المشتركتين في المسلسل تصويرا وتمثيلا)، وتتحول إلى حرب أهلية مسلحة في سوريا، ويحدث ما يحدث في مصر؟

من الذي سمح لحركة كفاية و 6 إبليس والجمعية الوطنية للتغيير والبرادعي بالعمل وحماهم من بطش أمن الدولة؟

وهل من الطبيعي أن تجد كل من وقفوا ضد مبارك قبل الثورة، قد صاروا من مؤيدي الثورة المضادة بعد 3 يوليو؟

وهل يؤمن بشير الديك بأي حرف مما كتبه في المسلسل عن الانقلابيين والحكام العسكريين والمتآمرين الدوليين ومصطنعي حوادث الإرهاب، وهو الآن من أنصار الثورة المضادة؟.. اقرأ هذا المقال مثلا.

وهل تعني الفوضى الخلاقة التي بشرتنا بها رايس، تحريض الشعوب على الثورات لإسقاط النظم القديمة العاجزة عن تلبية كل مطالب أمريكا وإسرائيل، ثم استخدام البطش للسيطرة على الفوضى وقمع الشعوب، وتلبية هذه المطالب (مثل تدمير الأنفاق وتدمير مدينة رفح وإخلاء سيناء والتعاون العلني مع إسرائيل؟!)

والأمر ليس معقدا بالمناسبة، فبلادنا مليئة بحطب المشاكل، وليس عليهم سوى انتظار حادثة مدوية كإشعال البوعزيزي للنار في نفسه، لتحريك أتباعهم من المنظمات الممولة أجنبيا وعملائهم من العلمانيين وإعلامهم لتهييج الشعوب.

وقد تساءلت من قبل: لماذا هرب ابن علي بهذه السرعة (لا تنسوا أنه ذهب إلى السعودية!!)؟.. لم يكن هناك خطر حقيقي عليه.. فهل أمره الجيش التونسي بالهرب، أم أمرته أمريكا؟.. لقد كان القذافي أول حاكم عربي علم أن رقبته ستطير بهروب ابن علي، لأنه ثوري قديم ويعلم أن أي شرارة في أي دولة عربية ستمتد إلى جميع الدول العربية، لهذا خرج ببيان فوري يطالب فيه الشعب التونسي بالاعتذار لابن علي على جحوده ومطالبته بالعودة!!.. فإذا كان ذلك المعتوه قد فهم هذا، أفتعجز أمريكا عن فهمه؟

انتبهوا لما أقوله هنا: قد يبدو أنني الآن متفق مع إعلام الثورة المضادة على أن الربيع العربي مؤامرة.. لكني أختلف معهم في أن المؤامرة ليست من الشعب ولا من الإسلاميين (الذين لم يدعوا للثورات أصلا، واتهمهم مدعو الثورية أنهم ركبوا الثورات.. الإسلاميون هم الفصيل الوطني الحقيقي في بلادنا، وكل العلمانيين كلاب عميلة، لأن المحتل هو الذي أوجدهم).

الغريب أن هذا يتفق مع ما ورد في المسلسل أيضا، فآدم سميث يقرر في النهاية التخلص من الطاغية "رباح الحديدي" بعد أن صار يعارضه ويعطل أطماعه وتنتابه نوبات من الوطنية العابرة، وفي اللحظة التي يعلن فيها رباح الحديدي في مؤتمر صحفي انقلابه على آدم سميث وشركته، يكون هذا قد دبر انقلابا عسكريا مع وزير الدفاع، ويقتحم القصر ويعتقل رباح الحديدي!!

على كل حال، المسلسل ممتع ومفيد، حتى ولو كان المأجور الذي كتبه لا يؤمن بحرف واحد مما كتبه فيه.. شاهدوه فسيفتح أعينكم على كثير مما يحدث الآن.
أي بحث على جوجل، سيظهر لكم عشرات المواقع التي يمكنكم مشاهدة المسلسل عليها أو تنزيله منها. 

ديسمبر، 2014

 

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صفحة الشاعر