برجاء تسجيل الإعجاب بالصفحة لتصلك كتاباتي على فيسبوك

المتابعون للمدونة

السبت، 29 يوليو، 2017

بين العلم والخيال العلمي



بين العلم والخيال العلمي

في موسم هذا العام من أحد مسلسلات الخيال العلمي يهدد الإشعاع النووي بقتل من بقي من سكان الأرض، فيقررون أن الحل هو في استخدام الهندسة الوراثية لتحصين البشر ضد الإشعاع بتصنيع ما يسمى بالدماء السوداء!!

طبعا هذه فكرة في غاية السذاجة، لأن مشكلة التعرض المباشر للإشعاع النووي أنه يدمر خلايا الجسم ويغير كيمياء الخلايا ويتلف الحمض النووي الوراثي.. أي أن تغيير الشفرة الوراثية لن يحميها هي نفسها من التأثر بالإشعاع.. ولمنع نفاذ الإشعاع يجب استخدام لوح من الرصاص بسمك 1 سم على الأقل، أو استخدام الحديد والنحاس بسمك أكبر، أو استخدام جدار ضخم من الخرسانة!!.. وكلها حلول كما هو واضح مستحيلة على مستوى الخلية الحية، وحتى إن افترضنا أن هناك طريقة نانومترية لاستخدام الرصاص بشكل فعال على المستوى الخلوي، فهو مادة ثقيلة سامة مدمرة للجسم!!.. ففكرة أن تكون الخلايا محصنة ضد الإشعاع مستحيلة.. ولو افترضنا أن الهدف هو جعل خلايا الجسم أسرع تجددا بعد أن يدمرها الإشعاع فما زال هذا يصطدم بحقيقة أن الإشعاع سيدمر آلية التجدد نفسها والشفرة الوراثية القائمة عليها.. خاصة أن الإشعاع هنا لن يكون جرعة مؤقتة خفيفة عابرة يسهل التغلب على آثارها، بل هو تلوث إشعاعي للكوكب كله سيستمر لقرون!!.. وأصلا الإشعاع نفسه يسبب النمو السرطاني للخلايا (نمو الخلايا بأسرع من المعدل المطلوب ما يشكل الأورام ويدمر عمل أجهزة الجسم!!).. كما أن خلايا المخ غير قابلة للتجدد بهذه السرعة (وفي رأي أنها لا تتجدد بتاتا).

ثم إذا تجاوزنا كل هذا، ونجا البشر.. كيف ستنجو النباتات والحيوانات والأسماك التي يتغذى عليها البشر؟.. كل هذه المخلوقات تحتاج لمعالجة وراثية أيضا وهذا مستحيل علميا وعمليا، لأن كل نوع من المخلوقات يحتاج إلى أبحاث وراثية خاصة به، وهذا في الظروف العادية يحتاج إلى عقود من الأبحاث، فما بالك في ظروف المسلسل الذي يتكلم عن قلة من الناجين بعد دمار الأرض، بدون أي إمكانيات إلا معمل وحيد عثروا عليه!

المسلسل كان جيدا في أول موسمين، لكن الموسمين الأخيرين مجرد مط سخيف وغير منطقي، وبعد هذه المغالطة السخيفة قررت التوقف عن متابعته!

كما قلت سابقا في مقال "حتى يكون الخيال علميا":

هناك عالميا جيل جديد من كتاب الدراما غير مؤهل علميا ولا فكريا، لكنه تعلم أساليب صناعة التشويق والإثارة بالمشاهدة لا القراءة والدراسة!.. والنتيجة هي هذه الأعمال التي تبدو مثيرة لمن لا يمتلك خلفية علمية كافية ولا يتوقف ذهنه قليلا ليدقق فيما يشاهده!.. طبعا الأعمال الضخمة التي ينفق على إنتاجها عشرات الملايين يتم الاستعانة فيها بخبراء متخصصين لتدقيق المحتوى العلمي.. فيلم Interstellar مثلا أنفق عليه 165 مليون دولار، وحققت عائدات شباك التذاكر 675 مليون دولار (دون حساب أرباح مبيعات الأقراص الضوئية وعرضه بعد ذلك في القنوات الفضائية)، وقد استعان القائمون على الفيلم بعالم الفيزياء النظرية  كيب ثورن Kip Thorne كمستشار للمحتوى العلمي، لهذا جاء الفيلم مبهرا بكل المقاييس.

ولكن هذا لا يحدث مع كل الأعمال، خاصة مسلسلات الخيال العلمي التي يتم مطها لعدة مواسم لا قيمة لها بعد نجاح أول وثاني موسم.

وطبعا عدم استخدام الخبراء لتدقيق المحتوي العلمي ليس عذرا لكاتب الخيال العلمي، فلا يمكن مقارنة التعقيد في الفيزياء النظرية وما يتعلق بالثقوب السوداء والفجوات الدودية وكلها ما زالت نظريات غير محققة، بالأساسيات العملية البسيطة لعلم الفزياء النووية والتي يعرفها طلبة المدارس في المرحلة الإعدادية، ويمكن قراءة الكثير عنها ببحث بسيط على الإنترنت.

ملحوظة:

مؤخرا صرت أمتنع عن ذكر أسماء الأعمال الدرامية لأنها تروج للشذوذ الغريزي للجنسين ولا أريد أن أساهم في الدعاية لها، لهذا أكتفي بمناقشة الفكرة للإفادة.

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صفحة الشاعر