المتابعون للمدونة

الاثنين، 30 يناير 2012

لعبة توازن القوى


لعبة توازن القوى

للذين يصدعوننا بحتمية نقل السلطة فورا من الجيش إلى المدنيين، أقول:
الجيش هو الذي يؤّمن الشوارع والمؤسسات حتى هذه اللحظة، والشرطة توارت في الخلفية، لأن صورتها مشوهة عند الناس، وهناك ثأر لمعظم الشعب عندها، ولن تستطيع العودة لفرض النظام وتطبيق القانون وحدها قبل فترة.
وما دام الجيش هو من يحمي الدولة من الداخل، فهو صاحب الكلمة العليا في إدارتها.. هذا حكم طوارئ حقيقي يستوجب وجود حاكم عسكري لأول مرة فعليا منذ ثلاثين عاما.. والمفارقة المضحكة أن الجميع يريدون تعطيل قانون الطوارئ الآن، لنكون عشنا ثلاثين عاما في ظله بلا ضرورة، وأسقطناه والجيش فعليا من يحمي شوارع الدولة، بعد سقوط هيبة القانون!!
حسن.. فلنفترض جدلا أن شخصا كالبرادعي أو غيره تسلّم الآن رئاسة الدولة بدون شرعية شعبية عبر صناديق الاقتراع، ولنسأل أنفسنا: من الذي سيجبر الجيش على تنفيذ أوامره؟.. من سيطيعه إن أمر بفض اعتصام أو حماية مظاهرة أو إيقاف اشتباك في الشوارع؟.. ماذا لو قال له قادة الجيش هذه ليست مهمتنا، وتصرف أنت؟!
والأخطر من هذا: هل يقدر هذه الرئيس المؤقت أن يعيّن أو يعزل أي قيادة من قيادات الجيش؟.. وبأي سلطة؟
والإجابة واضحة طبعا: لا أحد سيطيع هذا الرئيس الصوري، بل على العكس، سيكون مجرد واجهة للمجلس العسكري، يفعل ما يأمرونه به!!.. أي أنه سيكون مجرد دمية تحت يد المجلس العسكري، ولن يجرؤ على التمرد عليهم، لأن الجيش والشرطة والمخابرات هم من يتولى حراسته، أو بمعنى أصح: حبسه في قصره!!
ولو حاول اللجوء إلى الشعب لحمايته، لن يجد شعبا يسانده، لأنه ببساطة لم يختره أحد!!.. وساعتها لو مثّل لهم مصدر إزعاج مزمن، يستطيعون قتله برصاصة بشلن في أي مسيرة أو زيارة يقوم بها، ونسبة الحادث إلى مجرم أو بلطجي أو مجهول!!
هل فهمتم الآن لماذا لا نريد تسليم السلطة إلى طوطور؟
إن السياسة في حقيقة الأمر هي تعبير عن القوى الحقيقية الموجودة على الأرض.. ولا أحد في مصر يستطيع أن يُخرج الجيش من المعادلة السياسية، فهو متجذر فيها من 60 عاما، والعسكريون الذين يغادرون الجيش كل يوم ما زالوا حتى هذه اللحظة يشغلون المناصب الحساسة في معظم مؤسسات الدولة وأجزتها التنفيذية، والأمر يحتاج وقتا طويلا لإعادة ترتيب الأوضاع وتغيير الخريطة السياسية.
لهذا فإن أول خطوة لتغيير موازين القوى، هي تصعيد نخبة جديدة منتخبة شعبيا، لتقف على أرض صُلبة وتستطيع أن تعارض العسكريين والدائرة المنتفعة من حولهم والتي تكونت عبر 60 عاما.. وقد نجحنا بالفعل في تصعيد 500 سياسي جديد إلى الساحة وسلمناهم مجلس الشعب، وحاليا نحاول تصعيد بضع مئات آخرين ليستلموا مجلس الشورى، ثم سيقتحم جيش قوامه 50 ألفا إن شاء الله ساحة المحليات ليغير البلد من الجذور.. وبهذا يستطيع الرئيس القادم أن يقف على قاعدة تأييد شعبية صلبة، محاطا بدائرة من النخبة الجديدة، التي تحميه وتؤازره، وتنفذ أوامره في كل مفصل من مفاصل الدولة، ومن ثم يكون ندا حقيقيا للنخبة العسكرية، ويستطيع أن يعارضا أحيانا ويفرض أرادته عليها أحيانا، تبعا لما تقتضيه ضرورات الموقف.
وبهذا فقط، سيبدأ انحسار العسكريين عن الحياة السياسية بهدوء تدريجيا.
ولنتذكر أن الإسلاميون في تركيا وصلوا إلى رئاسة الدولة ورئاسة وزارتها وشكلوا حكومتها منذ سنوات طويلة، ورغم هذا لم يبدأوا في مواجهة جنرالات الجيش إلا مؤخرا، حيث استقال بعض أهم القيادات، وبدأت محاكمة البعض بتهمة التحريض أو التخطيط للانقلاب على الحكومة.. هذه أمور حساسة جدا، والتغيير فيها لو حدث أسرع من اللازم فسيؤدي إلى صدام قد يودي بالدولة كلها إلى حرب أهلية!

ملحوظة:
حتى هذه اللحظة ما زالت مناصب الدولة توزّع بين لواءات الجيش ولواءات الشرطة ومستشاري القضاء وأساتذة الجامعات.. وأنصح بألا يتم إقصاء كل هؤلاء عن المشهد دفعة واحدة في الدولة المصرية الجديدة إن شاء الله، حتى لا يفقد الرئيس ولاء كل هذه القطاعات، وأرى أنه من الأفضل تقليل حصة كل جهة من هذه الجهات إلى النصف مبدئيا، وضخ دماء جديدة إلى الحكومة والمحافظات والمؤسسات من خارج هذه الدائرة.
وقد سبق أن اقترحت أن يوضع لواءات الجيش والشرطة كمستشارين أمنيين للمحافظين المدنيين، بحيث نستفيد من كفاءتهم، دون أن نحنّط الحياة المدنية بعقليتهم العسكرية الصارمة.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صفحة الشاعر