المتابعون للمدونة

الاثنين، 13 سبتمبر 2010

لا توجـــد امــرأة تسـتـحـــق!

لا توجـــد امــرأة تسـتـحـــق!

إهداء:
إلى امرأة لا تعرفني!


قالت له بصوت مضطرب مُفعَم بالمرارة:
-       بالأمس تقدّم إلى أبي عريس جاهز.. لم أعد أستطيع المراوغة أكثرَ من هذا.
صمتَ طويلا، وحينما أخيرا حارت غُصّتُه، قال بصوت متحشرج:
-       مبارك!!
تجمدت لحظة مذهولة وقلبها يرفرف كالطير الذبيح، قبلَ أن تصفق سماعة الهاتف بغضب عاصف.
***
ابتسم في شجن وهو يشرد بعيدا:
(نشوى) التي لم يحبّ سواها، تركها تضيع دون أن يحرّك ساكنا.
فقط ـ كلّما خنقته الذكريات بأياديها المعطّرة ـ تمتم لنفسه في سخرية:
-  لا توجد امرأة تستحقّ أن يتعب المرء من أجلها!.. كلّهن يشخن ويترهلن ولا يجلبن غير المتاعب والصداع!
ويدلف إلى مرسمه، ليعيش مع لوحته التي تؤرّقه منذ سنين.
لطالما شغفته هذه اللوحة وملكت عليه حواسه وخلبت لبّه.
لديه خيال ما.. فكرة ما.. رؤية ما..
شعور بأنّه سيُخرج للبشرية حُلما لم تحلم بمثله من قبل..
مزيجا مدهشا من الألوان والخطوط والتعابير التي تلخص آلام البشر وآمالهم فوق رقعة من الورق العبقري.
قطعة من الفنّ الفذّ لم يسبقه إليها أحد من العالمين.
تنهّد مفتونا:
-       آهٍ أيّها الحلم الآبق.. زئبقٌ أنتَ تنسلّ من بين أصابعي، فلا يتبقى منك إلا شعور بملمسِك المفتَقد.
ويعود يواصل رحلة البحث عن حلم.. يهزّ رأسه ويهمس في شجن:
-       هذه أشياءُ تستحقّ التعب.. هذه أشياء تبقى إلى الأبد!
***
عامان مرّا..
و(نشوى) عادت من جديد..
عادت وحيدة.. مطلّقة مثقلةً بجبال من الهموم، حمّلَتْهاها تجرِبتها القاسية.
قالت له بمرارة:
-       كان غيورا.
قال وهو يبتسم ابتسامة باهتة بزاوية فمه:
-       صفة حميدة في الرجال.. أظنّني أشدّ منه غيرة.
-       [بسخرية مُرّة] أحقّا؟
-       ......
-       فليكن... دعنا نقُل بالأحرى إنّه شكّاك.. تُفضي به غيرته إلى ظنون توصله إلى حافّة الجنون.
-       بعض الرجال كذلك للأسف.. لكن كان بإمكانك تحاشي كل ما يثير غيرته وشكوكه.
-       فعلت.. فعلتُ أكثرَ مما تتخيّل، دونَ جدوى.
-       [متنهدا] لو كان يملك مِعشار ثقتي بك لما أحال حياتك إلى جحيم.
-       [بتهكم ينضح بالألم] لقد كان يعلم بأمرك.
-       أمري؟
-       أعني.. أمر عَلاقتنا القديمة.
-       لم يكن بيننا أكثر من.. صداقة روحية شفافة.
-  [عضت شفتَها بمرارة] صداقتنا هذه ـ كما تسميها ـ تركت بصمات لا تمحى على روحي، ويبدو أنّه قرأها بطريقة أو بأخرى عبر تلك (الشفافية)!
صمتَ لحظة، قبل أن يقول بخفوت:
-       ليس في جَعبتي لك سوى نصيحة بالنسيان.
-       [بحزن] لا أظنه ممكنا.. إنني امرأة مغلفة بالشجن.
-       [همس شاردا] ولكن مذاقك في قلبي ما زال أحلى من السكر.
خشعت أنفاسها وسألته بتهيب:
-       هل.. هل يعني هذا.. أنك.. أنك....
صمت طويلا، قبل أن يجيب مستسلما:
-       أجل.
تسارعت دقات قلبيهما وتعالى حفيف أنفاسهما المبهورة.. وضمهما الصمت طويلا، حتّى ابتلع ريقه بصعوبة وهمهم:
-       سأكلمك غدا.. تصبحين على خير.
وأنهى الاتصال.
***


كان عمره يتسرب من خلاياه، وهو عند نفس النقطة لم يتقدم ولو قِيدَ أُنملة.

كيف يخبرها أنّه ما زال مقيدا يرسف في أغلاله القديمة: أحلامه التي تستنزف سنوات شبابه، وتجعله يضيّع فرصه في الحياة دونَ حتّى أن يندم؟
وكيف يندم وما زال يردد لنفسه:
-       لا توجد امرأة تستحقّ أن يتعب المرء من أجلها!
ويُهرع إلى حُلمه الذي صار أكثر تعقيدا وغموضا، فيتنهّد ويردف:
-       هذه أشياءُ تستحق التعب.
وتأبق دمعة غادرة من عينه.
***
قالت له بمرارة:
-  كان يخونني عيانا جهارا، ليلا ونهارا.. هاتفه الجوال لا يكفّ عن الرنين، ولسانه لا يَنِي عن معابثة الحقيرات.. وحينما أثور لكرامتي الجريحة يسارع بالتشكيك فيّ أنا ويرجمني بالتهم، ولا يُجدي أن أقسم له إنني أطهر من السَّحاب وأذكى من المُلاب وأنقى من النور.. في النهاية تعبت وطلبت الطلاق.. تخيّل: كان كأنما ينتظرها!!.. تخلّص منّي بطريقة مهينة، كأنني صخرة مربوطة بأنشوطة حول عنقه!
دمدم بغضب:
-       ذلك الحقير لا يستحقك.. أؤكّد لك أنّه سيتجرّع الندم أنهارا من الدم، وسيكتشف أيّ كنز أضاعه بحماقته.
-       [بتردد] إنّه.. أقصد لقد.. لقد بدأ يندم بالفعل.
-       ماذا تعنين؟
-  إنّه يطاردني الآن محاولا استردادي.. وكلما ناله الإحباط من صدّي وإبائي ثار وسبّني ورماني بالتهم.. ثم لا يلبث أن يعود إليّ كسيرا باكيا، ليواصل العدو على نفس الدائرة سرمدا!
ازدرد لعابه فتذوّق علقما..
الرسالة كانت واضحة: تحرّك.. افعل شيئا.. لا تتخلَّ عنّي للمرّة الثانية.
ولكنه كان مقيّدا..
شعر أنّه عاجز كما لم يكن من قبلُ قطّ.
قال بصوت جريح:
-       سأكلمك غدا.. تصبحين على خير.
***
جلس أمام حلمه يتعذب.
الخطوط في لوحته متشابكة كدغل من الأشواك، واللون الأسود يلتهم في طغيانه باقي الألوان..
المعاني غامضة وبصيص الحلم باهت..
وامرأة خرج العالم من رحمها، تائهة بين الأشواك، شائهة بين السواد، تبدو كدخان أو سراب.
هل هذا ما كان يلهث وراءه كلّ تلك الأعوام؟
ما زال يرى في لوحته نفس الحلم.. لكنّه ضائع بين تشابكات أكثر تعقيدا مما توقع يوما.
نقاط متفرقة منحته الأمل، لكنه ما زال يبحث عن لمسة ما تربط بينها.. لمسة إبداع لم يسبقه إليها غيره.
ولكن.. هل ما زال لديه رَدَحٌ من الشباب ليواصل لهاثه خلف حلمه؟
جمع كلّ وجعه في زفرة، وابتسم في سخرية مريرة وتمتم:
-       هي حتما أشياءُ تستحق.
وابتسم بشجن وهو يواصل في خفوت:
-       وهي أيضا امرأةٌ تستحق!
***
قالت له غَداةَ اليومِ التالي:
-       صباحُ الخير.
-       صباحُ الخير يا طفلتي.
-       [ضحكت بمرح غاب عنها طويلا] طفلتك؟.. لقد كبُرتُ كثيرا على هذه الكلمة.
-       كنتِ وستظلينَ طفلتي الصغيرة المدللة.
-       يبدو صوتُكَ مرهَقا.. هل نمتَ جيدا ليلة أمس؟
-       لا.
-       أرّقتكَ لوحتُك؟
-       [متنهدا بشرود] أرقتني... أشياءُ تستحق!
***

محمد حمدي غانم
19/11/2006


هناك 5 تعليقات:

  1. اتمنى اجرب هالحب اللي تتكلمون عنه قلبي مايحب هل هو قاسي او مريض او وش السالفه

    ردحذف
  2. غير معروف:
    لقد وقاك الله من ابتلاء عظيم، فلماذا تتمناه لنفسك؟
    تحياتي

    ردحذف
  3. عجباً: شوقتنا إليه من كثرة جميل ما كتبت عنه (و كل ما كتبت جميل)، فلِمَ تطلب منا ألا نتمناه ^_^

    ردحذف
  4. اجل ليش هالكاتب يوصف هالحب على انه شي حلو من كثر ماهو حلو تمنيته

    ردحذف
  5. معاناة رجل لا يثق بنفسه ولا بظروفه تردد كثيرا فأطاح بحلمه مرات الى ان استسلم اخيرا .. سرد جميل وعبارات مميزة .

    ردحذف

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

صفحة الشاعر