برجاء تسجيل الإعجاب بالصفحة لتصلك كتاباتي على فيسبوك

المتابعون للمدونة

الاثنين، 7 مارس 2016

ناني بريئة



اثنان في واحد (ليس برت بلاس)

(9) 


كان محمد علي (الذي صفعته ناني على خده الأيسر) يمضي يوما عاديا تماما، كما قال لنا..

استيقظ في الصباح الباكر، وأدى ما له وما عليه، وانطلق ليلحق بمحاضراته.

كان موعد معمل الحاسب الآلي في المحاضرة الثالثة، وهي دائما تبدأ في الثانية عشرة والربع، ولقد ذهب إلى المعمل في مبنى عمارة مرهقا، واتخذ مقعده خلف جهازه المحدد، وابتسم وهو يقول لنفسه:

-      قبل أن نبدأ، سأجرب هذا البرنامج الصغير.

وهو كما قال لنا، برنامج صممته أنا، وطلبت منه بإلحاح أن ينفذه.

وصدقوني، لست أذكر حرفا واحدا من هذا، ولا أدري عن أي برنامج يتحدث.. لكنه يقسم إن هذا حدث!

لا علينا..

كتب محمد علي البرنامج على الجهاز، وهو الأمر الذي استغرق معظم وقت المحاضرة، ثم ضغط زر تنفيذه.

ولم يدر ما حدث..

قال إن الجهاز ارتبك، وتسارعت مخرجاته غير المفهومة على شاشة سوداء، وكأنه دخل في دائرة مفرغة، وازداد معدل استهلاكه للكهرباء بشكل غير مألوف، وهو ما جعل المعيد يتوقف عن متابعة بعض الطلبة، وينتبه للأنوار المتقطعة هاتفا:

-      ماذا يحدث؟

ثم حدثت تلك الشرارة (نعم.. التي شرحناها بالتفصيل في القافية السابقة.. هل تريد أن أذكرك بها؟.. الشرارة، الحرارة، السيجارة.. إلخ)

ولسعت تلك الشرارة خد محمد علي الأيسر (آها.. ناني بريئة.. ناني بريئة!) وأضرمت حريقا صغيرا في كتف قميصه، سارع بإطفائه وهو يهتف في سخط:

-      أي برنامج كتبه هذا المأفون؟!

كدت أصفعه على وجهه لكني خفت أن ترتبك الأمور بينه وبين محمد علي الذي لكنه في فكه، وهي مرتبكة بما يكفي!

لهذا تجاوزت عن إهانته، وأنا أفكر فيما قاله:

صدقوني، أنا لا أجد في نفسي مثل هذه العبقرية لأكتب مثل هذا البرنامج الذي يتحدث عنه، وكل ما أعرفه عن البرمجة حتى ذلك الحين لم يتجاوز بعض أوامر الباسكال العقيمة التي كانوا يدرسونها لنا في الكلية، ونستخدمها لحل بعض المعادلات الــ

-      لحظة من فضلك.

-      هه.. القارئ المفقوع؟.. هل ما زالت هنا؟

-      نعم.. تقول المعادلات.. أي معادلات؟

-      أي معادلات.. إجابتي هي سؤالك.

-      لا أفهم؟

-      أي معادلات.. أنت تضع علامة استفهام وأنا أضع نقطة.

-      يا يا يافوخي!

-      يا يا يا.. يا أحلى ذوق.. لديك حسن موسيقي عالي.

-      بجد؟

-      فعلا.

-      أشكرك.. أين كنا؟

-      في يافوخك.

-      طيب، اطلع من يافوخي لو سمحت.

-      اطلع أنت من هذه الصفحة، ودعني أواصل ما بدأته.

-      ليس قبل أن تجيب سؤالي: أي معادلات؟

-      لقد أجبتك بالفعل.. أي معادلات.. نقطة.

-      آاااه.. تقصد أنك تستطيع كتابة برنامج باسكال لحل أي معادلة؟

-  نعم.. بإعادة تعريف المعادلة في صورة قيمة ابتدائية مجموع عليها معادلة فرعية تحسب القيمة التالية لها، واستخدام طريقة الاستدعاءات الارتدادية Recursive Procedures، لحساب كل قيمة جديدة بناء على القيمة السابقة و...

-      ارحمني من هذا الهراء يا أحلى ذوق.

-      تشكر يا ذوووق.

-      إذن.. ماذا كانت هذه المعادلات؟

-      أي معادلات؟

-      التي أعطيتها لمحمد علي الذي صفعته ناني على خده الأيسر؟

صحت بغضب:

-  صه أيها المغرض، لا تفترِ على ناني.. ناني بريئة.. ناني بريئة.. أعراض بنات النمل ليست لعبة.

-      معذرة.. أنت من غرست في يافوخي هذه الفرية.

-      الفرية.. واو.. أرى أن مستواك في اللغة العربية قد ارتقى.

-      من عاشر الأوم.. والأمبير... ههههه.

-      وتنكت أيضا.. لماذا لا تأتي لتجلس مكاني هنا وتكمل أنت القصة؟

التمعت عيناه، ودفعني بعنف أسقطني من فوق الكرسي، وجلس مكاني خلف المكتب هاتفا بحماس:

-  فليكن.. احم.. بسم الله الرحمن الرحيم.. الله... الله.. ألو ألو.. واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة.. هل يسمعني باقي السادة القراء؟

-      يا أحمق إنهم قراء، وليسوا مدعوين في فرح.

-  آه.. معذرة.. كنت أقول إن من الواضح أن محمد حمدي هذا ربما يكون مخربا، وإنه كتب معادلات فيزيائية أو هندسية معينة، يعرف أنها ستخرب تييييت الحاسوب حينما تعمل عليه، لهذا لم يجربها بنفسه، وأعطاها لمحمد علي لينفذها، وبهذا يضرب دماغين بحجر شيشة واحد، فيتخلص من محمد علي بجريمة نظيفة، ويدمر معمل الحاسبات، بسبب كراهيته للكلية و....

-      يا نهار أسود.. قم يا جدع، الله يخرب بيتك.

ودفعته في عنف، واستعدت المايك (قصدي القلم)، هاتفا:

-  لا تصدقوا هذا المنتحل.. هذا لم يحدث.. لم يحدث قط.. محمد حمدي بريء.. وناني بريئة.. بريئة.

-      متآمر.. مخرب.

-      محمد حمدي بريء.. بريء براءة ناني من صفع خد محمد علي الأيسر.

-      نياههههاه.. نياهههاه.. الآن حققت انتقامي وأثلجت صدري و....

بتر عبارته وهو يرتعش فجأة ويحتضن صدره بذراعيه هاتفا:

-      يا إلهي.. ما هذه البرودة الشديدة؟

ونظرت له في تشف، وأنا أهمهم:

-      ها هو أخرق جديد لا يقدر قيمة الكلمة!

وظللت أتابعه باستمتاع والثلج وهو يتجمد أمامي، وأخذت أرتشف من كوب الشاي الساخن باستمتاع وأنا اعوم عليه به بين رشفة وأخرى، وهو ينظر إلي بغيظ.

وسألته ساخرا:

- هل أحضر لك حلة بخاركو؟.. أم تريد مقابلة صاحب شركة بخاركو شخصيا؟.. نياهههاه.

****

انتبه محمد علي الذي لسعته الشرارة في خده (ناني بريئة.. ناني بريئة) إلى شيء مثير.

حينما بدأ كتابة البرنامج الذي يدّعي أنني أعطيته له، كان يجلس في المعمل وسط عشرات من الطلبة الزملاء.. لكنه حينما رفع رأسه بعد إطفاء حريق قمصيه، فوجئ بأنه وحده في المعمل، الذي كان خاويا على حواسيبه.

وفي ذهول، نظر محمد علي في ساعته، ليطالع الوقت والتاريخ.

حينما بدأ الأمر، كانت الساعة الثانية عشرة والربع يوم 10/4/1966.. لكن ساعته كانت تشير حينئذ إلى الواحدة ظهرا يوم 3/4/1996!

فما الذي يعنيه هذا.. هه؟

ونظرت بطرف عيني للقارئ المفقوع، فوجدته يحاول أن يحرك شفتيه المتجمدتين بلا جدوى، وهو يهممهم بعبارات غاضبة.

وتراجعت في مقعدي باستمتاع، وأنا أكرر سؤالي له بطريقة مستفزة:

-      ما الذي يعنيه هذا؟.. هه؟.. هه؟.. هل فهمت ما فهمت؟

***

 

 

 

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صفحة الشاعر